2025/11/28
فلسطين.. الاستيطان الصهيوني "يبتلع" اراضي الضفة الغربية بشراسة ويصل لمواقع "اثرية" ويلتهمها امام تفرج العالم

 هنا عدن | متابعات
تغلف سلطات الاحتلال الإسرائيلي بالكثير من المصطلحات الإيجابية، مثل "الحفاظ على الآثار وتطويرها"، إجراءاتها لسرقة الأراضي وتنفيذ مخططات استراتيجية لدعم الاستيطان، وفصل المناطق الفلسطينية عن بعضها. 

تعتبر بلدة سبسطية شمال غربي نابلس، أهم مثال على الخطط الإسرائيلية في "التسلل بالآثار" كما تصفه هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، كوسيلة للضم التدريجي.

ففي 17 من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، تلقت بلدية سبسطية، كما أكد رئيسها محمد عازم لـ"العربي الجديد"، عبر الارتباط الفلسطيني، إخطاراً بنية الاحتلال استملاك 1473 دونماً من أراضي سبسطية وبرقة المجاورة لها.

ويعد هذا الإخطار الأضخم في تاريخ أوامر استملاك الأراضي لغايات المواقع الأثرية، كما يؤكد مدير عام التوثيق والنشر في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، أمير داود، في حديث مع "العربي الجديد"، فالأوامر السابقة الخاصة بالمواقع الأثرية لم تكن تتعدى عشرات الدونمات، بعضها لم يتجاوز 15 دونماً، بينما تشير النية المعلنة لاستملاك 1473 دونماً ضخامة الموقع المراد له أن يكون موقعاً أثرياً إسرائيلياً.

وسيتبع نيّة الاستملاك المعلنة من ضابط الآثار في الإدارة المدنية التابعة لجيش الاحتلال قرار آخر بالاستملاك الفعلي، ويعدّ الإخطار الحالي هو الرابع الخاص بالمنطقة الأثرية خلال عام واحد وفقاً لرئيس البلدية، حيث شهد شهر أغسطس/آب الماضي، قراراً بتحويل 40% من أراضي سبسطية إلى ما تسمى منطقة أثرية إسرائيلية، حسب البلدية.

المختلف في القرار الجديد، هو تحديد قطع الأراضي بشكل مفصل، وتوضيح ما ستصبح عليه، يؤكد عازم أن القرار يتعدى بشكل واضح على الأراضي الخاصة المملوكة من المواطنين، وتشمل ما يقارب 570 قطعة أرض فيها 3000 شجرة زيتون، ويملك الأهالي أوراق ملكية لهذه الأراضي تعود لما قبل الاحتلال كما تؤكد البلدية، وتحديداً لعام 1956.

سيتحول جزء من الأراضي إلى طرق بين قطع الأراضي، وجزء آخر منها تشكل أحواضاً كاملة ستتحول إلى منطقة أثرية، إضافة إلى حوضين من أراضي برقة، الهدف من استهدافها كما يؤكد عازم، تسهيل الوصول إلى أراضي سبسطية.

انعكاسات سلبية

وبالإضافة إلى الآثار الاستراتيجية لمشروع إقامة "حديقة السامرة" في سبسطية، من تعزيز الاستيطان وفصل مدن شمال الضفة عن بعضها، فإن للمشروع آثاراً اقتصادية مدمرة على أهالي سبسطية، فالقطع الـ570 المليئة بأشجار الزيتون، تعني أن مئات العائلات الفلسطينية في سبسطية ستفقد مصدر رزقها الرئيسي. يؤكد عازم أن هذه المنطقة هي الأكثر إنتاجية من الزيت في البلدة، كون معظم أشجارها رومية، أي إن عمرها مئات السنين.

وتضم الأراضي، المنوي مصادرتها لصالح المشروع الاستيطاني الإسرائيلي، 25 منشأة سياحية فلسطينية كالمتنزهات والمطاعم والمقاهي، ستغلق أبوابها كما يتوقع رئيس البلدية، وفعلاً أغلقت 9 منشآت سياحية حتى اللحظة بسبب الوضع الراهن في البلدة، من تراجع في السياحة الداخلية والدولية، بسبب الأوضاع الحالية في الضفة الغربية، والاقتحامات المتكررة من الاحتلال والمستوطنين للبلدة.

وفي ظل اعتماد سبسطية على السياحة بشكل أساسي، إضافة إلى موسم الزيتون، فإن البلدة ستواجه وضعاً اقتصادياً بالغ الصعوبة.

المخطط الذي يستهدف سبسطية ليس بالجديد، لكنه دخل في تحول في طريقة التنفيذ على الأرض، منذ مطلع عام 2023، أي مع الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي ارتبط تشكيلها باتفاق ائتلافي يعزز الاستيطان. هذا التحوّل لم يرتبط بسبسطية بشكل خاص، بل بالمواقع الأثرية في الضفة عموماً، حيث يدّعي الاحتلال، بحسب هيئة مقاومة الجدار، وجود 3064 موقعاً "للتراث اليهودي" في مختلف مناطق الضفة الغربية، من بينها 2452 موقعاً في المنطقة المصنفة (ج)، وفق اتفاق أوسلو، الخاضعة بالكامل لسيطرة الاحتلال.

يقول أمير داود إن ما يحصل هو ضمن سياق ممتد من توجهات حكومية إسرائيلية سابقة، ولكن الحكومة الحالية منذ عام 2023، أخذت تفاصيل تلك التوجهات إلى الحدود القصوى في التنفيذ. ويؤكد أن مشروع قانون طرح في الكنيست الإسرائيلي ولم يقر بعد، يشير إلى طبيعة السياسة الإسرائيلية المتعلقة بالمناطق الأثرية، فالمشروع يطرح توسيع صلاحيات سلطة الآثار الإسرائيلية لتشمل مناطق الضفة الغربية، بما يخالف القانون الدولي حول المناطق الأثرية في المناطق المحتلة، وكذلك بخلاف الوضع القائم بوجود ضابط آثار في الإدارة المدنية التابعة لجيش الاحتلال مسؤول عن المواقع الأثرية.

ويعكس مشروع القانون وجود نية بالضم وفرض السيادة على المواقع الأثرية بحسب داود، الذي يؤكد أنه وبالرغم من عدم إقرار القانون اتخذت الحكومة في عام 2023، قراراً موازياً من الكابينت بتوسيع صلاحيات سلطة الآثار، لتقرّ بدورها 120 مليون شيكل (36 مليون دولار)، لصالح النقيب و"حماية المواقع الأثرية" في 3000 موقع بدعوى أن السلطة الفلسطينية تقوم بعملية تدمير ممنهجة لها، وبعد ذلك بأسابيع جرى إقرار 32 مليون شيكل (7 ملايين دولار) لموقع سبسطية وحده، وجعله واحداً من الحدائق التوراتية.

وقبل أربعة أشهر أصدرت الإدارة المدنية الإسرائيلية، عبر ما يسمى ضابط الآثار، منشورات وكراسات تعتبر أكثر من 60 موقعاً أثرياً في الضفة الغربية، ومن ضمنها سبسطية، مواقع يهودية، ولذا يتوقع داود أن يتبع أمر الاستملاك لأراضي سبسطية أوامر استملاك ومصادرة لتلك المواقع الواردة في المناشير والكراسات خلال الفترة المقبلة. ولا تبدو الأهداف تاريخية أو تراثية، فالمشاريع هذه صممت من أجل خدمة الاستيطان، كما هو الحال في سبسطية بشكل واضح.

ويؤكد داود أن خطورة المشروع على المستوى العملياتي أنه سيفصل شمال الضفة الغربية، وأنه مصمم ليكون رديفاً لموقع حومش العسكري في برقة المجاورة، والتي عاد إليها الاستيطان بعد توقفه في عام 2005، لفصل محافظة نابلس عن محافظة جنين، وكل ذلك بالتوازي مع مخطط شارع في المنطقة سيفصل ويعزل المحافظات الثلاث نابلس وجنين وطولكرم، وهي منطقة بقيت بحسب داود، متعافية نسبياً من الاستيطان على مدار سنوات، ما يوضح الهدف المباشر من هذا المشروع في سبسطية تحت غطاء الآثار.

سبسطية... تاريخ حافل

ويرجع تاريخ سبسطية إلى العصر البرونزي عندما سكنها أقوام بدائيون، ويعتقد أنهم من قبائل الكنعانيين، في أوائل القرن التاسع قبل الميلاد؛ وفيها العديد من الأماكن الأثرية التي لا تزال قائمة منها: البوابة الغربية، وشارع الأعمدة، والساحة المركزية، والمدرج الروماني، والبرج اليوناني، ومعبد أغسطس، وقصر الملك عمري، وكنيسة يوحنا المعمدان، والاستاد اليوناني، ومعبد كوري.

وتعدّ سبسطية من أبرز المواقع التي تحاول إسرائيل السيطرة عليها، وتعتبر من حواضر الرومان في فلسطين، وتتميّز بموقعها الجغرافي الذي يربط ثلاث محافظات في شمال الضفة الغربية ببعضها، وهي نابلس وطولكرم وجنين، كما أنها تقع على طريق الحج المسيحي من القدس وبيت لحم وبئر يعقوب والناصرة.

عاصرت بلدة سبسطية عبر تاريخها أقواماً متعددة من الكنعانيين والآشوريين واليونانيين والرومان والبيزنطيين والعرب والصليبيين، وإضافة إلى احتوائها على العديد من المواقع الأثرية والتاريخية وكذلك الدينية، فموقعها المميز هو الذي جعلها عاصمة للعديد من الحضارات التي تعاقبت على فلسطين.

أكثر ما يميز البلدة وجود سور يلف المنطقة الأثرية من مختلف الاتجاهات، حيث يوجد مدرج روماني وبرج هيلانة ومعبد أغسطس الروماني، وفيها قبر النبي زكريا ومقام الشيخ شعلة وكنيسة القديس يوحنا، والعديد من الحضارات التي تركت بصماتها داخل سبسطية. وفي عام 1908، أجرت جامعة هارفارد الأميركية حفريات في مواقع سبسطية الأثرية، لكنها لم تستطع إيجاد أي آثار يهودية، لتحاول إسرائيل عقب احتلالها الضفة الغربية عام 1967 البدء بتهويد البلدة عبر "تزوير" أجزاء من الموقع الأثري، وبناء سلسلة حجرية لتكون واجهة للمدرج (المسرح) الروماني الذي يفوق عمره 3000 عام.

وفي عام 1976، عمد الاحتلال لنقل القبور الملكية من وسط البلدة للساحة الرئيسية (البازليكا) لتفقد أهميتها كمقبرة، "فقيمة الموقع الأثري في مكانه"، كما استولى الاحتلال على أعمدة وتيجان وجلسات أثرية ونقلها إلى متاحفه في قيسارية المحتلة عام 1948، إضافة لتمثالين ضخمين سرقهما من مقام النبي يحيى عليه السلام.
(العربي الجديد)
 

تم طباعة هذه الخبر من موقع هنا عدن https://huna-aden.com - رابط الخبر: https://huna-aden.com/news87273.html