إعلام الثورة والأداءات الملتبسة

2014/05/11 الساعة 12:47 مساءً

يدرك زملاء الكلمة وصناع الرأي أننا نتحدث عن عملنا الصحفي والإعلامي في سياق استثنائي وخاص، وأن أداءنا الآن مرتبط بالثورة او يفترض ان يكون هكذا. إعلام ثورة يتجاوز الأداء المهني المجرد الى مهام تعبوية تنويرية وتثويرية ذات طابع سياسي في المقام الأول. بعض الزملاء للأسف تماهوا مع موقف مناصفينا المفروضين الذين حاولوا تعويض خسرانهم نصف الحكومة، وهم في الواقع أكثر من ذلك بكثير، باحتلالهم المعارضة على نحو مبكر بالطبع.

بعض زملائنا دخلوا مع هذا النصف الفاسد في تنافس على معارضة المرحلة بمكوناتها الحاكمة، وتناسوا انهم يدفعون لتعرية قوى التغيير التي انخرطت مضطرة في التسوية وتحملت الكثير من أعباء الفساد من أجل إنجاز ما اتفق على إنجازه.

بعض زملائنا اندفعوا لإثبات تجردهم المهني قبل ان نجرد قوى الاستبداد من قوتها وسلطتها ونفوذها الراسخ في بنية النظام ومفاصل الدولة. وبدا الأداء الصحفي المعارض متجهاً صوب تعرية هذه المشاركة الجزئية لقوى الثورة وتكريس الوعي بخيانتها وتواطئها على نحو يضعفها ويفقدها ثقة الشارع ويجردها من كل شيء.

- أحدهم مازال يؤكد على أهمية عدم التماهي مع الحكومة والنظام، وكأن هذه المنظومة الطارئة قد صارت حالة ناجزة يمكن معارضتها من أي موقع كان.

أدخلنا إعلام صالح في معركة ليست معركتنا، واستجبنا لتحدي إثبات المصداقية وعدم التحيز من قبل كائنات موصومة بلا شرف، عاشت تطبل للاستبداد والفساد قروناً طوالاً.

تناسى بعض الزملاء ان وزراء المشترك قبلوا مسؤولية تسيير الوزارات من أجل أهداف بعينها وانهم قبلوا ذلك ضمن شروط ليست في صالحهم تماماً.

وتناسينا أننا قبلنا بالتعامل مع فساد هو ليس فسادنا وأعباء هي ليست أعباءنا، وفشل عميق قديم لا يسهل نبشه وتحريكه بما لدينا من إمكانات وحضور علوي يكاد يكون هامشياً إذا قورن بحضور المنظومة العتيقة.

وتورط البعض في مثالية ساذجة ترى الأخطاء الإجرائية جرائم كبرى تستوجب اللعن، متناسياً أن كل هؤلاء الذين يشنون الحملات على بعض وزرائنا لأتفه الأسباب هم سبب رئيس في كل هذه الأزمات التى تخنقنا وتعيق المرحلة.

يدرك زملاؤنا المثاليون ان النظام السابق انما يطلب رد الاعتبار بدفعنا في هذه المرحلة بالذات لكشف الغطاء الثوري عن كل الذين يمثلون امتداداً للثورة ممن تسلموا مناصب مختلفة في الدولة.

من العار ان يقال إننا نريد تكميم الأفواه او الدفاع عن أخطاء الساسة وقادة الدولة الآن واننا نريد خذلان الجماهير.. هذا الكلام كله ليس صحيحاً على الإطلاق. انا أتحدث كزميل وكصحفي آتٍ من الساحة مسكون بالثورة وبهواجس أكثر منها ربما.

أنا اسأل إلى أي مدى يمكننا استعادة التموضع في قلب المواجهة لهذا المد التقويضي من عدة جهات ومنها عقولنا المرهقة وأرواحنا المكدودة الممزقة والمنقسمة بين الحلم والضرورة؟

نريد عملاً صحفياً وإعلامياً يستبطن تحديات المرحلة الراهنة، عملاً لا يقطع صلته بالثورة ومفاعيلها ولايتخلى عن مواصلة دوره التغييري بتحوله الى معارضة قبل ان تصل الثورة الى القليل مما تؤمل.

نريد عملاً لا يستهدف تعرية الأحزاب التي مثلت الحامل الحقيقي للثورة والضامن الأكبر للتسوية السياسية.

أتدرون ما كان يقوينا بالأمس كصحف معارضة هو وجود الأحزاب. كنا نحن مصدر قوتها في القول وكانت هي ترجمان قوتنا في فضاء الفعل.

الآن حين نستهدف الإجهاز على هذه الأحزاب وهي تؤدي مهمة استثنائية فرضتها الضرورة ولا تصلح معياراً للحكم عليها ولا مختبراً حقيقياً لها على صعيد الحكم.

الآن عندما نجهز على أدوات الفعل هذه، ونحن مكشوفون أساساً وننطلق من فراغ هائل، فمن نخدم يا ترى غير المنظومة القديمة، ومن يا ترى غير المجموعات البدائية الرثة المستفيدة من تخلخل الثقة بالأحزاب السياسية التي ندبناها لمهمة تستدعي الإسناد والتعزيز.

دافع إعلام صالح عن أخطاء وخطايا ثلاثة عقود من الحكم ونحن غير مستعدين للدفاع عن أحزابنا وهي تشارك جزئياً في إدارة بعض المؤسسات ضمن مرحلة هشة صعبة وخطيرة.

الثورات تستدعي إعلاماً مؤازراً مسانداً داعماً يكشف الحقائق بما يقوي فعل التغيير، لا بما يضعف المسار برمته.

بصراحة انا مستعد إزاء واقع كهذا ان أتحمل بعض أخطاء هذه المرحلة لأنها مرحلة عبور، والنظر اليها بمثالية أمرٌ يجافي العقل والمنطق، وسذاجة مضرة لا تنتصر الا للفوضى ولا تقوّي غير العبث واليأس العام.

أنا أسأل:

- هل يمكننا أن نقدم أداءً صحفياً ناقداً وكاشفاً يدافع عن الحياة السياسية بمكوناتها الرئيسية الفاعلة، ويحاذر تقديم روافع التغيير هذه كحالات خيانية تواطئية وبما يوسّع الهوّة بينها وبين الجماهير ويضعف الثقة بها تماماً؟

- هل يمكننا ان نقدم عملاً متناغماً ومتوازناً نؤدي فيه أدواراً تصب في صالح تقوية المسار وإضعاف خصوم التغيير وإحباط كل المؤامرات المضادة؟

- هل يمكننا- وقد ضحينا بالعدالة مقابل الحل السياسي- أن نضحي بقليل من المثالية الضارة الآن مقابل إخراج الشيطان من المعادلة وعدم إعطائه مبرراً لمعاودة الحضور؟

كان المشترك في أدبياته وخطابه العام يحذّر على الدوام من المشاريع الصغيرة وأصحابها، والمقلق اليوم ان نشهد عودة المشاريع الصغيرة والحقيرة والمدمرة الى الواجهة، مستغلة حالة الفراغ التي تبدو عليها الساحة حيث يخلي المشترك مكانه مؤقتاً على صعيد المعارضة لتقفز تلك المشاريع الى الواجهة، وتراها فرصة سانحة للصعود يساعدها المزاج الحاد الناتج عن هذا المخاض العسير والانتقال الصعب، ولا يعينها كذلك الأداء الصحفي غير المستوعب للتحديات الكبرى والذي يغرق في الجزئيات، ويرى انه ربما يشكل المعادل الموضوعي للمعارضة المنتقلة قسراً لمربع السلطة.

وهنا يبدأ الإشكال، إذ نقف إزاء معادلة توافقية مرحلية ضمن ظروف صعبة وركام من المشكلات العصية وانقسام مجتمعي حاد وارتهانات خارجية وبقايا نظام وخرائب دولة ومنظومة قديمة تتحكم في العمق وتقوّض المسار.

هنا على إعلام الثورة ان لا يتخلى عن مهماته الوطنية، عليه ان يحمي خيارات التغيير وأدوات الفعل.. قوى المشترك يجب ان لا تتحول الى هدف الآن، لم يحن الوقت لكي تدركها لعنة الحكم.. هي الآن ماتزال في مسار التضحية في مسار الثورة، وهي الآن تعاني من تبعات هذا الدور الذي قبلته بمبررات وطنية محضة.

وهي الآن في هذا المربع قابلة للاستضعاف حيث تتقلص خياراتها في الرد والدفاع عن ذاتها بمقتضى الضرورة.. وهي الآن أقل قدرة من ان تعطي وتمنح الناس كل ما يأملونه، وهي الآن في اختناق شديد تبعاً للاختناق العام.

وكل استهداف لها او لشركائها الفاعلين ممن حددت مسؤولياتهم التسوية انما يصب في صالح إنعاش المشروعات المدمرة الناقمة، وتسويقها لشارع يائس وجاهز للارتكاس.

المعادلة صعبة ايها الأعزاء:

الحراك المسلح والحوثيون والقاعدة وبقايا النظام السابق والوسائل الإعلامية المضادة والأخرى الممولة من دول وجهات خارجية، جبهات حرب مفتوحة، ومخاطر تحوم حول وطن مثخن ينتظر عداته فقط إزاحة حراسه الحقيقين كي يتم الإجهاز عليه بالكامل