تعز، وصالح، وعبدالملك

2015/03/28 الساعة 09:52 مساءً

على نفس السياق .. أو أقرب الى العنوان ذاته.. سطر الكاتب العزيز الدكتور مروان الغفوري قبل أشهر مقالاً تحت عنوان "تعز وعبدالملك" ولربما الأغلبية ان لم يكن الجميع قد قرأ ما أورده العزيز مروان في مقالته الرائعة.. والذي حظت بإعجاب الكثيرين. وكاتب هذه السطور أحدهم .

بداية علينا ان ندرك حتماً ان لدى علي عبدالله صالح ثأر مغروس بداخله وحقد يغلي جسده من تعز وأبنائها. الذي كانت تلك المدينة هي من اوقدت شعلة الثورة ضد نظامه الأزلي.. وقادت قطار الحرية نحو سلك النجاة والعيش الكريم . واشعلت براكين الانتفاضة الثورية .. وهو ما يجعلنا نجزم على انه قد جمع كل قواه .. وقطع تذكرة الذهاب للأخذ بالثأر. والذي من المحتمل يعود منها خاسراً .

لقد أدك صالح وبعد ما فتح دفتر الانتقام من خصومه.. واستخدم كل  ضلوعه لإحداث الواقع المرير اليوم.. مما ادرك انه حان وقت تعز.. وذلك نتيجة للأحداث المؤلمة التي ضربت غروره. والتي حدثت مؤخراً في الجنوب وفي كل أرجاء البلاد .

يمتلك صالح من الحقد والطغيان والغطرسة وكذلك حليفه عبدالملك الحوثي.. ما يكفي لإشعال فتيل العنف ، وإحراق البلاد . وإغراقها في نيران الحرب والاقتتال .. وإدخالها عنق الزجاجة ومربع الصراع الدائم والمستمر . وهو الحاصل اليوم. لكن ثمة تدخل في المعادلة . احدثت نوع من الانعكاسات داخل مربع التآمر الذي يقوده صالح والحوثي .. مما توقفت عجلة التقدم.. وانقلبت الطاولة .. وتقلص بؤرة العنف والأزمة الى جزيئات من الترويج والتزوير والغزل اللذان يستخدموها عبر خطاباتهم وكلماتهم المستفزة .

صالح يدرك تماماً ان دخوله تعز. يعني دخول نار لا حطب لها.. وفيها نوع من التهور ، وتحتاج الى مجازفة ، ووقت للتفكير والترتيب عن كيفية دخولها. وكيفية مواجهة أبنائها .. مما كانت خطوات الرئيس هادي ووزير دفاعه اللواء الصبيحي قد جلبت تلك الأمور.. واضطر صالح والحوثي الى استخدام كل قواهم وأساليبهم المفتوحة لمحاصرة الجنوب من كل جهة . وقياس نبض وردة فعل تعز من تلك الخطوة.

لم يكن دخول قوات صالح مدينة تعز .. امراً يدعو الى خطورة تلك الخطوة بالنسبة له. او الى حدوث مواجهة وتصدي لها. بقدر وجود تسيير وتواطؤ وترتيب مسبق .

ان صالح يحمل في قلبه لتعز حقد وكره.. لا يوصفان. ولا يمكن قذفهما وإطلاقهما عبر الأنتقام وهو الامر الذي يسعى إليه منذ فترة طويلة لكنه لم يستطع تحقيقه. وان كان هناك مؤشرات لكسر ذلك الحاجز. بنفوذه وقواه المستخدمة كلياً .. فإن ذلك يخلق خلفه تبعات . وينتج عنه احداث سلبية مع تلك المدينة .

استخدام صالح جميع قوته مؤخراً لدخول تعز.. وبعدما ضربت احداث عدن الأخيرة غروره وكسر جناحه الموالي فيها.. لأمرين هامين..

الأول: التمركز على مدخل تعز عبر قوات موالية مستخدماً فيها الحوثي كغطاء . وعدم التعمق فيها.. لقياس نبض المدنية وردة فعل ابنائها .. لانه يعلم تبعات ذلك الحدث. ويعي جيداً ماذا تعني تعز وماذا يعني دخولها .. مع وجود احتمال بضربها .. وتجريعها كأس الأنين . لكن نتائج ذلك جسمية ..سيتحملها الحوثي. الذي أصبح امام المشهد.

الثاني: محاصرة الجنوب . وعدن على وجه الخصوص. لإفراغ حقده الدفين .. وبذلك يكون قد حقق مآربه في إعادة سيناريو 94 .. والجميع يعلم جيداً ما حدث في ذلك العام الدموي الأليم .

لا يزال الحديث عن صالح لم ينتهي بعد.. وتاريخه الأسود يحتاج الى الكثير من السطور. بل الكثير من المؤلفات والمجلدات .. بمجرد إشعاله فتيل العنف ، وتقزم للوضع في البلاد. لكنه في المقابل رجل يكن الأحقاد بداخله .. وبخطواته المتسرعة .. الذي يقحم نفسه بها بطريقة غير واضحة ويرمي الحوثي في النار. لتحقيق مآربه بطريقة واضحة وشفافة .. يكون ذلك قد استخدم آخر اوراقه السلبية المتفاقمة التي قد تجرعه من نفس الكأس الذي جرعه الحوثي .

لم يعي عبدالملك الحوثي بعد ان خطواته المتسارعة منذ البداية .. وتحالفه مع صالح.. تسقطه شيئاً فشيئاً نحو مستنقع الانهيار.. والهرولة نحو المجهول .دون مشروع او رؤية واضحة لطريقة خطواته المستحدثة سلبياً على أرض الواقع.

 

لقد ظل عبدالملك في خطاباته المتكررة والمبهمة.. يغازل تعز من كل الجهات . سواء عبر غمزة من رمش العين ، او قرعة بكعبه العالي ، او ركلة كتف ، او مدح يصفها بالحسن والجمال .

لا ننكر ان عبدالملك قد وصف تعز بجمل المدح، وبكل الكلمات التي تستحقها الحالمة. مع ان ذلك جزء من كل. ولا أدري هنا كيف تخلوا لغة تغزله من التخبط ، والتعنت ، وسوء التحدث.. كغيرها من مجمل خطاباته الغامضة والمبهمة.

من المخجل ان يتحدث رجل يحمل في قلبه كل أنواع الحقد والكره والغيض.. وفي طياته شتى العنف .. والاستحواذ بقوة السلاح والهيمنة والتغطرس.. عن مدينة لا تعرف من تلك البغضاء والأساليب شيئا. بل انها اتخذت اسلوبها الخاص. والمتميز عن غيرها .. والمتمتعة بكل محاور الحياة المليئة بتلك التنوعات المناخية من العالم الآخر الذي يمتلك مقومات الابتكار العلمي والاكتشاف العقلي والتنوع الإبداعي والثقافي والفكري .

كم من الغباء ذلك الذي يسكن في روح عبدالملك .. وكم من الرذالة تلك التي تلتصق بثيابه.. وكم من التناقضات تلك التي يتفوه بها.. كم وكم من تلك السلبيات المتفاقمة التي تتشبث بتكهنات ذلك الرجل الذي حول البلد بحول اسابيع الى كومة رماد.. واشعل فيها بؤرة العنف والاقتتال.. وانتزع منها ثياب الأمل بالمستقبل. وجردها من على جسد الحياة .

عبدالملك.. انك حقاً رجل أبله.. لا تعرف بعد ماذا تعني تعز واليمن بشكل عام.. وما قيمتها لدى أبنائها .. وما تمتلكه من العلم والمعرفة والثقافة المتنوعة.. الذي لم تتعرف إليها بعد. ولن تستطع الوصول إلى ذلك العالم.

شيء من الخيال.. او مقطع من مسلسل .. او جزء من حلم .. ذلك الذي يروى على واقع الحال.. في منام عبدالملك.. من احد كوابيسه المظلمة المفتقدة للنور المتسلل الى الحياة

ان كان ولا بد من دخول عبدالملك مدينة تعز.. دون معرفته بها. وما تحمله من ثكنات علمية.. وسلسلة بشرية هائلة.. وضباب من القلوب المتحجرة بالإصرار والتحدي.. والمشبعة بمادة العلم والثقافة العالية..

ان كان ولا بد من ذلك.. فعليه ان يغتسل من رجسه البغيض .. ويجرد من جسده ثياب الخبث ، والحقد الدفين.

ان كان ولا بد من ذلك.. فعليه ان يرفع عن وجهه برقع التناقض، ويركل بقدمه الخوف الذي زرعه في نفوس الناس.

ان كان ولا بد من ذلك.. فعليه ان يكف عن غطرسته، ويلقع بذرة السلاح والعنف الساكنان في شرايينه.

ان كان ولا بد من ذلك.. فعليه ان يقذف من فمه رذالة التحدث.. وعتاهة التخاطب.

ان كان ولا بد من ذلك.. فعليه ان ينصت الى صوت أيوب .ويسمع بتمعن الى كلماته وعذوبة لحنه الجميل.

ان كان ولا بد من ذلك.. فعليه ان يقف راكعاً امام عقول أبنائها الذين لم يصلوا سن البلوغ.. ويتعلم منهم كل ما هو محاط بجدران الحياة المليئة بالعلم والمعرفة وثقافة الحياة.

ان كان ولا بد من ذلك.. فعليه ان يقف فقط بضع ثواني امام مدارسها الابتدائية.. ويتعلم شيئا كبيراً من صور الأطفال.. الذي لا نعلم حتى الأن مصدر لغته التي يتحدث بها .. وقاموسها الذي لم يخلق ولم يأتي بعد .

ماذا لو عمل عبدالملك كل تلك الأمور. .ماذا لو اقتحم حواجز الحدود.. واعلن إسلامه العلمي والعقلي.. ماذا لو ضرب بعصاه الخبيثة كل أعماله الكريهة والمتوحشة.

لا نريده فعل ذلك.. فقد يكلفه ثمناً باهضاً في حياة مشواره الدموي المستنبط على أرض الواقع .

فقط عليه ان يقرأ هذه السطور، ويقرأ سطور الغفوري وأبناء تعز وتعز فقط.. حتى يعرف ويتعرف إلى نفسه جيداً.. حينها لا نحتاج الى كل ذلك.. ونكون قد تكفلنا بدخول أحد خفافيش الظلام وقائد كهوف مرآن الى ديننا العلمي الفكري والثقافي المعروف!!

 

بقلم/ راكان عبدالباسط الجُــبَيحي