قصور العقلية السياسية الجنوبية

2020/09/16 الساعة 07:26 صباحاً


تشكلت العقلية السياسية الجنوبية المعاصرة في ظروف بالغة التعقيد، ومناخ مضطرب لم تترك أحداثه للفرد خوض تجربة سياسية حقيقية لسيطرة العقلية السياسية الرسمية على مختلف مناحي الحياة لفترة طويلة من الزمن، ألغت دور الفرد السياسي بقرار رسمي؛ بعد أن أحكم  الصوت الواحد قبضته على الواقع السياسي والثقافي للمجتمع، فلم يكن أمام أفراده سوى الرحيل إلى عالم آخر أوسع رحابة، وأكثر حرية،خاليًا  من القيود التي تمنعه من ممارسة نشاطه الفكري، والسياسي، والثقافي، فزجت به الظروف مكرهًا إلى واقع غير واقعه، فأورث هذا المناخ في الفرد عادة؛ تحولت مع مرور الزمن إلى  طبع خفي، أحكم هذا الطبع قبضته على تفكيره، فغدا المتحكم في نشاطه، وسلوكه نتيجة للقبضة الحديدية التي أحرمته خوض تجربة سياسية حقيقية، مما اضطره إلى التحليق في سماء الخيال العاطفي الجامح؛ أدى به  إلى التواء عنق التفكير، فحال بينه وبين رؤية الواقع،لذا تجده مؤثرًا التحليق في فضاء الوهم على السعي على ثراء الواقع، ولما احتاج  إلى إخفاء عقدة نقصه هذه؛ ابتكر سلوكًا آخر ليخفي  تحته عورة كبرى، أسدل عليها عباءة طاؤوسية مزينة بالعجب والغرور، والاعتداد الكاذب بالنفس، والهروب من أسئلة الحاضر إلى أعماق الماضي القريب والبعيد، فتراه يكثر من الحديث عن حبه للقيم الحضارية،وتمسكه بالنظام، والقانون ... مُثل وقيم كبيرة لم نجدها إلا في قصص الموروث السياسى الشعبي فقط، فإذا سألت عن الجنة الأرضية متى كانت ؟ وإين كانت؟يفزعون إلى الماضي قريبه وبعيدة لتعذر الاستشهاد بالحاضر الذي يعد إمتدادًا طبيعيًا للماضي، وعندما تعود لتقابل النصوص التي كتبت عن هذه المراحلة، والأقوال التي قيلت عنها، وشواهد الأحداث التي حصلت خلالها تجدها  قصصًا مستوحاة من وحي الخيال، نسج أحدأثها الوهم، وحاك  فصولها العجز،والحرمان الذي حرَّم على الناس الانتفاع بالعقل، فحرمان العقل الجنوبي المبكر من واقعية التفكير كان أشبه بالطفل الذي أحرمه اليتم دفئ صدر أمه، وتدفق لبان ثديها؛ فأورثه هزالة في الجسم، وحسرةع في النفس ﻻزمته مابقي من حياته، فكان من أبرز الأعراض التي لازمته هي وصاية القرار الجمعي على أراء الفرد وقراراته، فخلقت  هذه الوصاية نفسية مأزومة، وشخصية مهزوزة، وعقلية آحادية الأفق، حولت هذه العوامل - مجتمعة - هذه العقلية إلى عقلية غير واثقة من نفسها تبحث دائما عن وصي لها تعيش في كنفه لعلها تشعر بالأمان .
فكان تاريخنا السياسي المعاصر منعطفات من الفوضى العاطفية التي ﻻترى، وﻻتسمع، وﻻتعقل، فتسحق هذه العقلية المنفلتة  من عقالها كل من  يقف في طريقها، فمن خالفها عدو، والمتخلف عن ركابها  خائن عميل .
تسير إلى المجهول بمحض أرادتها، مشاريعها  أماني، وخططها وعود عرقوبية، وثمارها أحمال من الصبر تنوى بحمله الجبال، يفضي بالجميع إلى غياهب المجهول. 
لذا تجد عملية  هدم القديم وبناء الجديد على أنقاضه مستمرة منذ عقود خلت؛ تشبه إلى حد كبير البيوت الطينية التي يبنيها الصغار  في موسم المطر، يجهدون أنفسهم مستمتعين بالجهد الذي يبذلونه في بنائها حتى إذا ما أستوى البناء على أركانه قاموا بتهديمه بركلة  عابرة وهم يضحكون عائدون إلى بيوتهم .
تاريخنا محطات من العبث والفوضى، نقاتل في سبيل الوهم، ونموت في سبيل الوهم ، نترك فضاء الله الفسيح، ونجتمع حول كوة صغيرة للهروب من خلالها من واقعنا إلى عالم الصراع والفوضى، لذا لا نستيقظ إلا على وقع السقوط في قعر الهاوية  .
                     سعيد النخعي
                15/سبتمبر/2020 م