المقاومة ليست بقرة مقدسة

2016/01/26 الساعة 05:52 صباحاً
عندما سُئل بشار الأسد عن إمكانية أن تمتد ثورات الربيع العربي إلى بلاده أجاب مستبعداً ذلك إن بلاده تحميها المقاومة ، وكأن المقاومة صك غفران يُعفي النظام من استحقاقات الديمقراطية وحقوق الإنسان ، ويعطيه الحق في ممارسة الاستبداد والفساد ، ويحظر على الشعب المطالبة بحقوقه الحياتية والمدنية والسياسية، أو كأنما قيل له افعل ما شئت بشعبك فقد غفر الله لك بما كنت ظهيراً للمقاومة ونصيراً للممانعة ، وبما قدمت من حب لفلسطين وأسلفت من التغني بأمجاد الأمة العربية . وهذا النمط من التفكير هو الذي يهيمن على البعض في بلادنا ، فيعتقد بعصمةٍ ما للثوريين و المقاومين تنأى بهم أن يكونوا عُرضةً للنقد ومحلاً للنقص أو الخطأ ، أو يعتقد بأن المقاومة صك غفران يحمله الثوار و المقاومون فيعملوا ما شاءوا دون أن يجرؤُ أحدٌ على محاسبتهم أو مراقبتهم ، أو يعتقد بأن المقاومة بقرة مقدّسة لا يجوز المساس بها فضلاً عن محاولة تصحيح مسارها أو مراجعة خطأها ، ولا نستغرب بعد ذلك أن نجد من يحرّم على الناس مشاركة القادة في الرأي وتقديم المشورة لهم ومساعدتهم على اتخاذ القرار ويجعله حقاً حصرياً لهم. ولذلك نجد من يستنكر على الصحفيين تبيين الحقائق على الأرض ويستنكر على أصحاب الرأي إبداء آراءهم ويصف ذلك بأنه عمالة (للاحتلال) ومؤامرة على المقاومة ، ثم يربط بينها وبين ما يفعله الحوثيون وقوات المخلوع بطريقةٍ لا تخلو من الخبث الممزوج بقدرٍ كبير من الغباء و المخلوط بكميةٍ لا بأس بها من الهبل. هناك من يرى أي مقاومة لقوى مهيمنة هي بالضرورة نزيهة وعظيمة، ويجب أن يُنَاضَلَ من أجل الدفاع عنها وتلميع صورتها، حتى لو تلبست بكل أوصاف الرداءة، لكن الأحداث دائماً ما تخذل مثل تلك التصورات التي تحاول أن ترى الكون بشكل مبسط. كما أن هناك ثواراً ضد الاستبداد؛ يسعون لترسيخ استبدادهم وطغيانهم الخاص، هناك من يقاوم قوى الهيمنة لمصلحة هيمنة أخرى، أو مشاريع تقسيمية مناطقية، هنا يكون الترجيح بين مشروعين سيئين لا بين مشروع جيد وآخر رديء. واضرب لكم هنا مثالاً بحزب الله فمقاومته لإسرائيل لم تعطه صك غفران ولا شيكاً على بياض ليقتل الشعب السوري ويوغل في دماءه وكذلك إدعاء الحوثيين انهم يقاومون الهيمنة الأمريكية ليس معناها ان نتركهم يقتلون الشعب اليمني على طريق تحرير القدس كما يدعون. المقاومة ليست أن تنصب برميل جباية أو تطرد ساكناً من بيته أو تغتال موظفاً أو مسؤولاً أو تبتز صحفياً أو ترهب صاحب رأي وليست أن تمارس البلطجة بدعوى أنك قاومت وقدمت وأخرت. المقاومة ليست طقساً دينياً متى ما انخرط فيه الإنسان تطهر من الذنوب والخطايا، قد تكون مقاوماً ولكن بمشروع رديء، وقد تكون مقاوماً لهيمنة، لكنك تسعى لترسيخ هيمنة أخرى، كما قد تكون مقاوماً بمشروع بناء أوطان وتحررها. المقاومة هي حالة نهوض حضاري إنساني شامل لتحقيق حياة كريمة وهي فكر حياة وفعل حياة لا تتوقف.