[ اليمن بين الدولة واللادولة ]

2013/10/23 الساعة 05:37 مساءً

 عندما انطلق الحراك السلمي الجنوبي في العام 2007م لم يكن معبرا فقط عن مطالب حقوقية ناجمة عن المظالم الجائرة التي ألحقت بالجنوبيين بفعل الانتصار التاريخي الذي حققته قوى النهب والسلب والإقصاء في حربها على الجنوب وعلى اليمن كل اليمن، بل كان تعبيرا عن شعور الجنوبيين الذي اعتادوا على مدى ربع قرن على دولة ونظام ومؤسسات وقانون يحكم الجميع ويحتكم إليه الجميع، شعورهم بغياب هذه الدولة التي بسبب غيابها غابت معها الحقوق والانتماء والهوية والتاريخ وحتى الجغرافيا، وصار المواطن مجرد كائن بشري يفتقر إلى شروط الارتباط بهذه الجغرافيا وهذا التاريخ، وجاءت الثورة الشبابية السلمية متسقة مع هذا المطلب ومتناغمة معه، إذ مر على المواطن اليمني ما يقارب نصف القرن وهو يحلم بمشروع الدولة لكن هذا المشروع ظل في منطقة الحلم ولم ينتقل إلى منطقة الحقيقة بسبب إن من أوكلت إليهم مهمة بناء الدولة انصرفوا لبناء مشاريعهم الخاصة مستغلين في ذلك ليس فقط السلطة التي وصلوا إليها على غفلة من التاريخ بل والأمانة التي اؤتمنوا عليها والثروة التي فوضوا بإدارتها والحقائق التي قاموا بتزويرها بما يتناغم ومشروعهم، أو مشاريعهم الفردية وفي أحسن الأحوال العائلية والجهوية.

الصراع في اليمن إذن ليس صراعا مناطقيا أو جهويا أو قبليا أو حتى حزبيا أو طبقيا بل إنه صراع بين مشروعين متعارضين تعارضا كليا وجوهريا، مشروعين متعارضين في شكلهما ومضمونهما، وفي وسائل تحقيق كل منهما وأهداف كل منهما، وعلى نتائج صراع هذين المشروعين يتوقف انتقال اليمني إلى المستقبل أو بقاؤها رهينة الماضي بمآسيه وآلامه وانحداراته وجراحه المريرة وهذان المشروعان هما مشروع الدولة ومشروع اللادولة.

نحن هنا لا نرجم بالغيب ولا نتجنى على أحد فمشروع الدولة ليس مجرد عملية إجرائية يتم اتخاذها بقرار إداري أو حتى اتفاق سياسي أو مرسوم تشريعي، إنها عملية كفاحية طويلة ومريرة ومضنية لكن تحقيقها ممكن والوصول إليها مقدور عليه، ووجودها ضروري ضرورة الماء والهواء لكل كائن حي، إنها ضرورية لكل شعب يريد أن يجاري متطلبات العصر ومقتضيات تطوره وشروط حركته، وكلما تتطلبه عملية بناء الدولة ليس وصفة سحرية ولا قوة خارقة تستمد من كائنات خرافية خارج الواقع الأرضي المألوف بقدر ما تستدعي إرادة سياسية ودراية عصرية بمعنى ومضمون ومفهوم ووظيفة الدولة المراد بناءها وأهميتها الحتمية كشرط لعملية الانتقال من حالة التخلف والتفكك والهويات المتعدد العصبوية والجهوية والمناطقية إلى تحقيق قدر من النهوض المعيشي والخدمي والاجتماعي وتحقيق حد أدنى من الأمن والاستقرار والسير باتجاه مجتمع المواطنة والانتماء والهوية الوطنية الجامعة لكل من على هذه الأرض التي تدعى اليمن، بمناطقها وجهاتها وأفرادها وشرائحها وقبائلها وأطيافها المختلفة.

فشل اليمنيين في بناء مشروع الدولة لا يعود إلى عدم قبول المواطن اليمني للدولة أو استحالة تعايشه مع النظام واستحالة خضوعه للقانون وانصياعه للتقاليد المؤسسية، فكل تلك الحجج ليست سوى ذرائع يسوقها الراغبون في استمرار حالة اللادولة، ولهم في ذلك مآرب كثيرة من بينها استمرار العبث بالحياة السياسية والتصرف بالموارد الاقتصادية واستثمار الفوضى واللاقانون لتقديم أنفسهم بديلا عن الدولة وبديلا عن القانون لما يحقق لهم مكاسب مهولة من الأموال والغنائم وتعزيز مراكز قوتهم واكتساب معنويات وسمعة لا شرعية لها ولا أساس سوى اغتصاب السلطة واحتكار صناعة القرار وخداع الشعب واستغفال ذكائه.

كانت الثورة الشعبية السلمية وقبلها الحراك السلمي الجنوبي أصدق صور التعبير عن حاجة اليمن إلى الدولة، بغض النظر إن كانت القوى الفاعلة في هذه الثورة (أو هاتين الثورتين) قد أعلنت عن مطالبتها ببناء الدولة أم لا، فلو كان لدينا دولة لما شكا الناس جور الظلم الواقع عليهم، ولو كان لدينا دولة لما استفحل الفساد والعبث دون أن نسمع عن محاسبة فاسد صغير أو متوسط (دعك من الذين ينهبون المليارات تحت سمع وبصر القانون والقائمين عليه) ولو كان لدينا دولة لما سمحت بتشريع القتل ومنهجة التنكيل وسيادة الفوضى وانتشار المحرمات والسير في سلوك العصابات وتجار الممنوعات وقطاع الطرق واللصوص والأوباش ومنحهم فرصة المشاركة في إدارة شئون البلد والتحكم في مصائر أبنائها ومستقبل أجيالها.

اليوم تلوح أمام اليمنيين فرصة الشروع في بناء الدولة من خلال المخرجات التي ينتظرونها من الحوار الوطني القائم وهي بالتأكيد لن تمر بسهولة ولهذا نسمع عن نشوء المحاور والتكتلات داخل مؤتمر الحوار، ونسمع عن تصريحات تستبق المؤتمر بالإعلان عن التبرء من نتائج المؤتمر من قبل قوى نافذة وصاحبة مصالح متعددة تستفيد من غياب الدولة.

الذين يريدون بناء الدولة لا يبحثون عن قضايا شخصية تخص أفرادهم وجماعاتهم أو حتى مناطقهم أو أحزابهم بقدر ما يبحثون عن طريق جديد يكفل الكرامة والعزة والحرية والازدهار لكل اليمنيين ويمكنهم من المشاركة في صناعة القرارات المصيرية المتصلة بمستقبل بلدهم وشعبهم بكل فئاته ومكوناته وقواه الاجتماعية وأطيافه السياسية ولذلك يتقدمون برؤى جذرية عصرية تتحدث عن الحياة المؤسسية والمواطنة المتساوية وإعادة النظر في شكل الدولة ومنظومة الحكم ومنظومة التشريعات وأسس الحياة الدستورية والقانونية وسبل استخدام الثروة الوطنية والانتقال إلى تطبيق النظام الواحد على الجميع وإعمال روح القانون محل العرف والعشوائية والارتجال والإرادوية.

الرافضون لمشروع الدولة هم أيضا لا يترددون عن الحديث عن الدولة بل وقد يبالغون في الحديث عنها أكثر من المطالبين بها، لكنهم يعملون على إعاقة بناء هذه الدولة وزعزعة أي محاولة للوصول إليها، ولهذا يحرضون ضد كل محاولة للدخول إلى ما وصل إليه العالم منذ عقود بل ومنذ قرون، وهم في ذلك لا يترددون في دعم عصابات القتل ونشر الفوضى والتستر على المجرمين وإسناد قطاع الطرق وناهبي قاطرات النفط ومن يقصفون أبراج الكهرباء وأنابيب النفط ولن يتورعوا عن ارتكاب أي جريمة تصب في خانة دعم وتعزيز اللادولة.

الإكثار من الحديث عن "المكاسب الوطنية" أو "الشريعة الإسلامية" وإن هذين الأساسين في خطر يخفي وراءه أمور أخرى لا يجرؤ المتحدثون بهذه الشعارات على الإفصاح عنها، وهو رفضهم للدولة والقانون، ليس لأنهما يهددان الشريعة الإسلامية والمكاسب الوطنية فالمكاسب الوطنية قد دمرت منذ عقود والشريعة الإسلامية قد سخرت لتكون أداة من أدوات تشريع السلب والنهب والقتل والتنكيل والاستباحة والظلم بمختلف أشكاله، لكن هؤلاء يرفضون مشروع الدولة لأنه يهدد المصالح العملاقة والهائلة غير المشروعة التي حققتها مراكز القوى على مدى أكثر من ثلث قرن وبنتها على حساب معاناة الشعب بفضل إعاقتها بناء الدولة.

لن تشفى اليمن من جراحها إلا بدولة مدنية حديثة تؤدي إلى انصهار كل الشعب بفئاته ومكوناته وقبائله وتقسيماته الجغرافية والإدارية في كيان كبير يعبر عن هويتهم جميعا ويستوعب حاجاتهم جميعا ويكرس مصالحهم جميعا ويشعرون كلهم بكينونتهم فيه وانتمائهم إليه ويجدون فيه عزتهم وكرامتهم وحريتهم وازدهارهم وتطلعاتهم نحو مستقبل أكثر أمنا واستقرارا وسؤددا.

أما البقاء في وضع اللادولة (أو الدولة الوهمية كما هو عليه الحال اليوم) فإنه لن يحقق لملايين اليمنيين إلا المزيد من المعاناة والتفكك والفوضى والخراب ولن يحقق للبلد إلا مزيد من التوتر والحروب والنزاعات والجرائم، ولن يستفيد منه إلا أولئك الذي اعتاشوا على غياب الدولة كما تعتاش الكائنات الطفيلية على ما في أمعاء المريض من مكونات غذائية لتتسبب في إصابته بفقر الدم والهزال والضعف والانهيار على طريق الموت الحتمي.

برقيات:

*لست منشغلا كثيرا بما يقوله المتهورون والحمقى فيمكن لكل مجنون أن يشترى لابتوب ويربط خدمة النت ويعلن عن نفسه رئيسا للكون أو مخترعا لمجرة جديدة، فهذا حقه في ظل الفضاء الرقمي المفتوح وعالم ثورة الاتصالات اللامتناهي الحدود.

* لكن عندما يكون هذا الشخص هو مستشار مستشار رئيس الجمهورية، والرجل الأول في اليمن كما أعلن عن نفسه ذات مرة، ويقول (مستشار المستشار) بأنه رئيسا للحراك الشمالي الذي سيحرر الشمال من الاستعمار الجنوبي، فإن الأمر يحمل عشرات الدلالات الكبيرة التي تستحق أكثر من قراءة.

* قال أبو الأحرار الشاعر الشهيد محمد محمود الزبيري:

لنمت أو نعش على الأرض أحراراً ولا عاش من يستسيغ الإهانه

إن شعـــــــــــــــــــــباً يرضى الحياة سجيناً لا يساوي في قيمة سجانه

وحياةً تصان بالهون والإذلال ليـــــست خليـــــقةً بالصــــــــــــــيانه

ودماءً تنــــــــــمو على الضيم رجسٌ نجــــــــــــساتٌ كراتها خوانه

كل شــــعبٍ محى أساطـــيره السود ووارى تحت الـــــــثرى أوثانه

قد تلاشت كل العـــــــــصور الذليلات وبادت كل الشعوب المهانه

واستـــــــحالت عبادة الــــناس للناس وأمسى حمل القــــيود خيانه