الرئيسية - أخبار محلية - خطر يتهدد مستقبل اليمن.. تصاعد "مخيف" لمؤشرات الأطفال خارج المدرسة

خطر يتهدد مستقبل اليمن.. تصاعد "مخيف" لمؤشرات الأطفال خارج المدرسة

الساعة 04:20 مساءً (هنا عدن ـ القدس العربي)

وصل مؤشر الأمية الأبجدية في اليمن قبل اندلاع الحرب الأخيرة إلى 45 في المئة، وتوقع خبراء خلال سني الحرب وصول المؤشر إلى 65 في المئة؛ فيما يؤكد آخرون أن المؤشر صار أكبر في ظل صعوبة الحصول على مؤشرات دقيقة، مع استمرار ارتفاع مؤشرات تسرب الأطفال من المدارس إلى أرقام كبيرة جدًا؛ وهو ما يصبح معه مستقبل اليمن مهددًا بما يضمن استمرار تجدد الحرب، وربما توطينها هناك لعقود؛ إذ أن جيلا سينشأ مهدر الحقوق؛ وستكون علاقته بالمستقبل سلبية؛ ما يعني أن كارثة الحرب الحقيقية في اليمن اليوم هي، في حقيقتها، تصاعد مؤشرات تسرب الأطفال من التعليم؛ لأسباب مرتبطة بثنائية العنف والفقر.. علاوة على ما صار حاضرا من توظيف سلبي لمعظم ما تبقى من فصول التعليم لخدمة الحرب. 

والتحذير هنا هو «أن جيلاً كاملاً معرض لخطر التخلف عن الركب؛ مع ما يترتب على ذلك من عواقب طويلة الأمد على تعافي البلاد وتنميتها».



وهنا نقول إن من أبرز تداعيات الحرب العبثية في اليمن، هو تصاعد مؤشرات تسرب الأطفال من التعليم وعدم التحاق أعداد كبيرة منهم بالمدرسة؛ وهو ما أكدته تقارير حديثة؛ الأمر الذي يمثل تفخيخًا لمستقبل البلاد؛ باستهدافها في أهم أدوات ومفاعيل صناعة الغد؛ وبالتالي ضمان بقاء البلد ضعيفًا، مهدر الطاقات، مفرغًا من قوى البناء والإعمار والتطوير، ليبقى معتمدًا على غيره.

وسجلت أحدث التقديرات وجود 4.5 مليون طفل خارج المدرسة، مع دخول البلد العام العاشر من الحرب، وكشفت أن ثلث الأسر، التي شملها استطلاع، أبلغت أن لديها طفل على الأقل تسرب من المدرسة، مع احتمالية تسرب الأطفال النازحين من المدرسة بمقدار الضعف مقارنة بأقرانهم، وأن الرسوم المدرسية الشهرية وتكلفة الكتب جعلت التعليم بعيد المنال بالنسبة للكثيرين، وفقًا لتقرير حديث صادر عن منظمة «إنقاذ الطفولة» في 24آذار/مارس الماضي.

فيما أكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونسيف» في تقرير بتاريخ 10 نيسان/أبريل بعنوان «ردم الفجوة التعليمية بين الأطفال النازحين بسبب النزاع في اليمن» وفقاً للمسح العنقودي متعدد المؤشرات لعام 2023 أن «طفلا من كل أربعة أطفال في سن التعلم الأساسي لا يذهب للمدرسة، فيما يتوجب على أولئك الذين بمقدورهم الالتحاق بالمدرسة التعامل مع مشكلة اكتظاظ الفصول الدراسية، وكذا المعلمين المثقلين بالأعباء وغير المؤهلين».

وقالت يونسيف «وسط النزوح والظروف الاقتصادية القاسية، يلجأ أغلب الأطفال غير الملتحقين بالمدارس للانخراط في عمالة الأطفال أو في الأعمال المنزلية من أجل البقاء وإعالة أسرهم، ما يزيد من صعوبة تعويض سنوات التعليم الضائعة».

فيما ذكر تقرير منظمة «إنقاذ الطفولة» أن ثلث الأسر التي شملها الاستطلاع في اليمن لديها طفل واحد على الأقل تسرب من المدرسة في العامين الماضيين، على الرغم من الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة، ودخلت حيز التنفيذ في عام 2022 واستمر وضع خفض التصعيد عقب انفراط الهدنة، ومع ذلك، في حين انخفضت معدلات الضحايا، أفاد ثلاثة أرباع الطلاب (76 في المئة) أن شعورهم بالأمان لم يتزايد، حيث أشارت 14 في المئة من الأسر إلى العنف كسبب مباشر للتسرب من المدارس.

وقد أدى العنف المستمر والاقتصاد المنهار في اليمن إلى دفع ثلثي السكان إلى ما دون خط الفقر، ونزوح ما يقدر بنحو 4.5 مليون شخص أو 14في المئة من السكان، وقد نزح معظمهم عدة مرات.

وطبقًا لمنظمة «إنقاذ الطفولة» فإن الأطفال النازحين معرضون أكثر من غيرهم للتسرب من المدارس، وفي حين أن العودة إلى المنطقة الأصلية تقلل من تعرض الأطفال النازحين داخلياً للتسرب من المدارس بنسبة 20 في المئة؛ فإن استمرار انعدام الأمن يمنعهم من العودة إلى ديارهم.

وذكرت المنظمة أن «الرسوم المدرسية الشهرية وتكلفة الكتب المدرسية تجعل التعليم بعيد المنال بالنسبة للكثيرين، حيث أفادت 20 في المئة من الأسر أن هذه الرسوم لا يمكن تحملها. وقال أكثر من 44 في المئة من مقدمي الرعاية والأطفال الذين شملهم الاستطلاع إن الحاجة إلى دعم توليد دخل أسرهم كانت السبب الرئيسي وراء التسرب من المدارس».

 

طوارئ تعليمية

وقال محمد مناع، المدير القطري المؤقت لمنظمة إنقاذ الطفولة في اليمن: «بعد تسع سنوات من هذا الصراع المنسي، نواجه حالة طوارئ تعليمية لم يسبق لها مثيل. يجب أن تكون آخر النتائج التي توصلنا إليها بمثابة دعوة للاستيقاظ، وعلينا أن نتحرك الآن لحماية هؤلاء الأطفال ومستقبلهم.

وعلى الرغم من أن الهدنة قللت من بعض أعمال العنف، إلا أنها لم تحقق على الإطلاق الاستقرار الذي تحتاج إليه العائلات بشدة لإعادة بناء حياتها. قبل كل شيء، تحتاج العائلات في اليمن إلى وقف رسمي لإطلاق النار».

وأضاف: «لا يمكننا أن نترك أطفال اليمن، الذين لا يتوقون إلى شيء أكثر من الأمان وفرصة التعلم يغيب عن بالهم مستقبل مليء بالاحتمالات. يستحق كل طفل في اليمن أن يكبر في ظل الأمن، والحصول على التعليم الجيد، والأفق المليء بالوعد. وكلما طال انتظارنا، أصبح من الصعب تحقيق تأثير طويل الأمد».

وحذرت المنظمة من تأثير أزمة التعليم على أطفال اليمن ومستقبلهم. وقالت: إن تأثير أزمة التعليم على أطفال اليمن ومستقبلهم عميق. وفي غياب التدخل الفوري، فإن جيلاً كاملاً من البشر معرض لخطر التخلف عن الركب، مع ما يترتب على ذلك من عواقب طويلة الأمد على تعافي البلاد وتنميتها.

 

ودعت جميع أصحاب المصلحة، بما في ذلك السلطات اليمنية والدول المانحة والمؤسسات والجهات الإنسانية الفاعلة، إلى معالجة هذه التحديات بشكل عاجل. ويشمل ذلك الالتزام بعملية سلام متجددة، وضمان حماية المدارس والطلاب، وزيادة التمويل للتعليم، وتوسيع نطاق التدخلات المتكاملة لحماية الطفل.

 

تأثر 2500 منشأة تعليمية

 

وقد أدت الحرب إلى تأثر ما لا يقل عن 2.500 منشأة تعليمية بالحرب. ولا يزال الأطفال في اليمن يدفعون ثمن هذه الحرب، بما في ذلك حياتهم.

 

وفي بيان لها بمناسبة اليوم العالمي لحماية التعليم من الهجمات (9 أيلول/سبتمبر) ذكرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إن خُمس المدارس في اليمن مغلقة بسبب الصراع المسلح الذي يعصف بالبلد منذ 9 سنوات.

 

وأشارت اللجنة إلى أن قطاع التعليم في اليمن يعاني أزمة حادة، إذ تشير الإحصائيات إلى أن منشأة تعليمية واحدة على الأقل من كل أربع منشآت تعليمية دُمرت أو طالَها ضرر أو استُخدمت لأغراض غير تعليمية، خلال سنوات الصراع الطويل.

 

وكانت اللجنة قد حذرت في تقرير مماثل في ذات المناسبة عام 2022 من أن حرمان الأطفال من التعليم على مدى سنوات ستكون له تبعات سيئة على المدى البعيد، نظرًا للأهمية التي يكتسيها التعليم، والدور المهم الذي يلعبه في مساعدة اليمن على التعافي والنهوض به بعد انتهاء الصراع.

 

وكانت منظمة «يونسيف» قالت إن أكثر من 4 ملايين طفل يمني بحاجة إلى دعم للحصول على التعليم، وإن 20 في المئة من المدارس الابتدائية والثانوية بجميع أنواعها مغلقة.

 

وقالت المنظمة، أيضًا إن مدرسين وطلابًا لقوا حتفهم أو أصيبوا في حين كانوا يتلقون التعليم أو يُدرّسون في مدارسهم أو في طريقهم إليها، بينما اضطر آلاف المدرسين إلى ترك عملهم بسبب عدم صرف رواتبهم.

 

كما أجبرت الأخطار والآثار الاقتصادية التي يخلفها النزاع آلاف الأسر على التوقف عن إرسال أبنائها إلى المدارس، خاصة الفتيات.

 

وينص القانون الدولي الإنساني على ضرورة أن تكفل أطراف النزاع اتخاذ جميع التدابير الضرورية لحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية.

 

فيما أفاد تقرير سابق لمنظمة «إنقاذ الطفولة» عام 2021 أن واحد من كل خمسة أطفال شملهم الاستطلاع واجه حادثًا أمنيًا في طريقه إلى المدرسة، ما يعرض حياته وتعليمه للخطر. وتشمل هذه الحوادث عمليات الاختطاف أو محاولات الاختطاف، وتصاعد العنف، والمضايقات من قبل الغرباء.

 

وتحدثت تقارير أنه في السنوات الخمس الماضية، تعرضت أكثر من 460 مدرسة للهجوم، بما في ذلك التي وقعت في مرمى النيران المتبادلة. وكما ذكرنا آنفا فقد تضررت أكثر من 2.500 مدرسة، أو استخدمت كملاجئ جماعية للعائلات النازحة، أو احتلتها الجماعات المسلحة.

 

وقالت «إنقاذ الطفولة»: «الأطفال الذين تحدثنا إليهم يرسمون صورة قاتمة للغاية. يجب أن تكون المدارس ملاذات آمنة وليست مناطق حرب. اخترقت المدفعية الأسقف، ونصف الجدران المهدمة، وتحولت الفصول الدراسية إلى ركام، وهو ما تعنيه المدرسة للعديد من الطلاب في اليمن».

 

«لقد أبطلت الحرب عقودًا من المكاسب التعليمية للأطفال اليمنيين. ولا يمكننا أن نسمح بأن يتعرض تعليم الأطفال لمزيد من المخاطر. الأطفال هم مستقبل هذا البلد، وعلينا التأكد من حماية تعليمهم» وفقًا للمنظمة.

 

الأطفال الذين فروا من منازلهم بسبب العنف هم أقل عرضة للعودة إلى المدرسة مقارنة بالأطفال الآخرين. وأفاد ما يقرب من 75 في المئة من الأطفال النازحين أن المدارس في مسقط رأسهم تعرضت للهجوم، وأفادت التقارير أن أكثر من 40 في المئة من المدارس علقت الدراسة لأكثر من عام. ويعيش العديد من هؤلاء الأطفال، الآن، في مخيمات النازحين، حيث لا يمكنهم الحصول على التعليم.

 

وحتى في المناطق التي لم تتضرر فيها المدارس، فإن الخوف من الهجمات وتجنيد الأطفال في المدارس يثني الآباء عن إرسال أطفالهم إلى الفصول الدراسية.

 

ماذا تعني هذه الأرقام؟

 

كان لابد من إعادة قراءة هذه الأرقام والمؤشرات التي تكشف واقع الخراب الذي لحق بالعملية التعليمية تحت نير الحرب في اليمن؛ ليس على مستوى المباني والمرافق بقدر ما نريد قراءتها على مستوى الخطر الحقيقي؛ وهو تأثيرها على حاضر ومستقبل اليمن؛ باعتبار المستقبل هو نتاج أطفال وطلاب المدرسة اليوم. فكيف سيكون عليه حال مستقبل اليمن في ظل ما صار إليه حال تسرب الأطفال من المدارس؟

 

يؤكد رئيس منظمة «سياج» لحماية الطفولة في اليمن، أحمد القرشي، خطورة الوضع الذي أفرزته الحرب على صعيد معاناة أطفال اليمن، وخاصة على صعيد التسرب من التعليم، وعدم الالتحاق بالمدرسة.

 

وقال لـ«القدس العربي»: حسب تقديرات الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات فإن أكثر من أربعة ملايين طفل يمني خارج المدارس، وهؤلاء ممن هم في سن التعليم، والعدد مرشح إلى أن يصل إلى ستة ملايين طفل.

 

واعتبر أن «هذه تمثل كارثة؛ لأن هذا العدد يمثل تقريبًا أكثر من نصف الأطفال الذين هم في سن التعليم الأساسي والثانوي في اليمن. وهذه إشكالية خطيرة؛ لأنها لا تهدد فقط حاضر الأطفال بل ومستقبلهم ومستقبل البلد؛ فالمشكلة لا تتعلق فقط بحقوق الطفل في التعليم، ولكنها تمس، أيضًا، بمستقبل البلد اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا وأمنيًا وعلى صعيد الوحدة الداخلية بالنسبة لليمن فيما بعد الحرب.

 

المشكلة المترتبة على عدم حصول الأطفال اليوم على التعليم، ستستمر تلازمهم مدى الحياة؛ لأنهم سيكونون أشخاصًا أميين، أو غير متعلمين في المستقبل القريب، وهذا كما أسلفت سيؤثر على مختلف مناحي الحياة، وخاصة في بلد ممزق تنهشه الحرب منذ قرابة عشر سنوات» حسب القرشي.

 

وتابع: «وبالتالي فإن عدم التحاق الأطفال بالتعليم اليوم سيجعل من الصعب على هؤلاء الأطفال في المستقبل أن يكونوا جزءًا من عملية التنمية وإعادة الإعمار وبناء السلام في اليمن ما بعد الحرب. وهذه مرحلة ستكون بالغة الحساسية، ولن تقل خطورة وأهمية عن هذه المرحلة. إذا كنا اليوم نتحدث عن المساعدات الطارئة والغذاء والمأوى فإننا في المستقبل سنتحدث عن الأمن والاستقرار والتنمية، وهذا سيكون بعيد المنال».

 

تعكس المؤشرات الأخيرة لتسرب الأطفال اليمنيين من التعليم المخاطر المحدقة بمستقبل البلد؛ لأن الكثير من حقوق الإنسان مرتبطة بالتعليم. يوضح القرشي: الذي فقد تعليمه لن يستطيع أن يعيش بشكل جيد في المستقبل؛ لأن التعليم هو عماد الحياة. الكارثة الأكبر أن هذا الانتهاك أو هذا الفقد للحق هو لا يمثل تهديدًا لحق الإنسان ولحق هذا الطفل فقط، ولكنه يمثل تهديدًا لمستقبل اليمن برمته؛ لأن أربعة ملايين شخص أو أكثر من خمسة ملايين شخص سوف ينضمون إلى قافلة الأمية المرتفعة جدًا في اليمن، وهؤلاء يُفترض أن يكون البلد معتمدا عليهم فيما بعد الحرب، لكنهم لن يكونوا أشخاصًا قادرين على المشاركة في الإنتاج وبناء السلام والتنمية وإعادة الإعمار.

 

هذه إشكالية كبيرة سوف تجعل هؤلاء الشباب في مستقبل تحمل المسؤولية صيدًا سهلًا للجماعات المسلحة والجريمة المنظمة والجماعات الإرهابية وغيرها؛ نظرا لأنهم غير متعلمين. هذا التهديد سيلحق ضررا بالمنظومة الاقتصادية والأمنية والاجتماعية والثقافية في البلد. وستمثل تهديدًا للأمن والسلم الدوليين والإقليمي على مستوى الملاحة الدولية وعلى مستوى الاستقرار؛ لأن استقرار اليمن ينعكس على استقرار المنطقة برمتها. وبالتالي نحن أمام كارثة متعددة الأطراف، وليست المسألة محصورة فقط في أطفال يفقدون حقهم في التعليم. هؤلاء الذين يفقدون حقهم في التعليم سيكونون كارثة على اليمن وعلى المنطقة في المستقبل، وفقا للقرشي.

 

واستطرد: «نحن نرى مآلات ما وصل إليه اليمن اليوم في ظل الاحتراب رغم أن الذين يشاركون في هذه الحرب نالوا حظًا من التعليم والتثقيف والاستقرار النفسي والعاطفي، ومع ذلك نجد أن وضع اليمن الآن كارثي؛ فما بالك إذا كان هذا الوضع سيكون في ظل أشخاص تعرضوا لكافة صنوف الانتهاكات والجرائم خلال العشر السنوات من الحرب، وما زالوا يتعرضون لها، ثم لم ينالوا حظهم من التعليم، هؤلاء سيكونون غير قادرين على تحمل المسؤولية؛ لأنهم أميون في بلد فقير مدمر بسبب الحرب».

 

ويعتقد القرشي «أن ما يحصل في هذا الشأن يصب في خدمة الأجندة التي تسعى إلى أن يظل اليمن ممزقًا وضعيفًا ومتخلفًا، وغير قادر على القيام بشؤونه أو أن يتعافى بشكل جيد مما ألحقته به الحرب خلال عشر سنوات».

 

«هناك سياسة ممنهجة تستهدف تجهيل الأطفال حتى الذين هم ملتحقون بالمدارس؛ فهؤلاء لا ينالوا حقهم في التعليم، نحن أيضا أمام نسبة ضبابية من الذين هم محسوبين بأنهم ملتحقون بالتعليم، لكنهم في الحقيقة لا ينالون تعليمًا حقيقيًا» حسب القرشي.

 

الأسباب والعوامل

 

وهنا يؤكد رئيس مؤسسة «سياج» لحماية الطفولة أن المشكلة لا تقتصر على مَن لم يلتحقوا بالمدرسة، بل أيضًا على مَن هم ملتحقون بالتعليم.

 

وقال: «هذه الحرب أدت إلى أن الجميع يعاني، وكثير من الناس الآن غير قادر على أن يذهب بأطفاله إلى المدارس. هؤلاء الأطفال يتسربون ويذهبون إلى أسوأ أشكال عمالة الأطفال والتجنيد والاستغلال الجنسي والزواج المبكر والأعمال ذات الخطورة البالغة على صحة وكرامة وحياة الأطفال بشكل كبير جدًا. وهذه ستكون ندوب وعاهات نفسية وثقافية واجتماعية ستلازمهم مدى الحياة للأسف الشديد. وستلقي بظلال بالغة السوء على اليمن لعقود قادمة للأسف».

وأضاف «إن الاحتراب من أبرز العوامل التي ساهمت في تصاعد مؤشرات التسرب من التعليم في اليمن في السنوات الأخيرة، بالإضافة إلى حالة النزوح. لدى اليمن زهاء خمسة ملايين شخص نزحوا خلال العشر السنوات الماضية، سبعين في المئة منهم من أطفال ونساء. هؤلاء الأطفال غالبيتهم لم ينالوا حقهم في التعليم.

 

وأشار إلى أن الذين ذهبوا إلى المدارس سواء من النازحين أو غيرهم من أطفال اليمن في ظل التمزق، وخاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية لا يتلقون تعليمًا؛ فإما أن يكون المدرسون غير متوفرين، أو المنهج غير متوفر، أو تم التلاعب بالمناهج الدراسية، أو تم استخدام المدارس والمراكز الصيفية لأغراض وأجندة بعيدة عن التعليم، أو لا تخدم العملية التعليمية بقدر ما تخدم أجندات سياسية وأيديولوجية وفكرية من شأنها خدمة الاحتراب واستمرار حالة الحرب أكثر من خدمة العملية التعليمية؛ وهذا لا يقتصر على جماعة بعينها فقط؛ لأنه يتم من خلال المدارس والمراكز الصيفية والإذاعات المدرسية والمناهج الدراسية التي تم تحريفها وتجريفها للأسف الشديد، تغذية ثقافة الانقسام، والعنصرية، والتخوين، والعدوانية، وعدم تقبل الآخر، بمعنى أنها لا تخدم التعايش والسلام في اليمن».

 

منظمات المجتمع المدني

 

أما دور منظمات المجتمع المدني ذات العلاقة بالأطفال سواء اليمنية أو المنظمات الدولية بما في ذلك منظمات الأمم المتحدة يعتقد القرشي «أن الكل يعترف بأن هناك قصورا فادحا في خدمات حماية حقوق الطفل، وفي مقدمتها الحق في الحياة والأمان والتعليم والصحة، وخدمات الرعاية الاجتماعية. هذه الخدمات تكاد تكون منعدمة، وما هو متوفر منها هو متوفر بشكل بسيط جدًا في عواصم بعض المحافظات، وربما يكون منحصرًا على صنعاء وعدن وبعض المحافظات، وهي خدمات بسيطة، لكن لا تجد هذه الخدمات متوفرة في أغلب المحافظات اليمنية».

 

ودعا منظمات المجتمع المدني المعنية بالأطفال إلى إيجاد برامج حقيقية قادرة على أن تنتزع اليمن مما هو فيه. وقال: أعتقد أن دور منظمات المجتمع المدني، بما في ذلك المنظمات الدولية حاليًا، ضعيف جدًا؛ لأسباب عديدة، من ضمنها محدودية التمويل، وعدم وجود رقابة حقيقية على هذا التمويل، وعدم توجيه واستيعاب المنح بشكل حقيقي من قبل المؤسسات الحكومية اليمنية، أو في الفساد المستشري والكبير جدًا، الذي يذهب بنسبة كبيرة من أموال المساعدات الإنسانية إلى غير مستحقيها، بما في ذلك ما يتم نهبها ومصادرتها من مواد عينية كأغذية وأدوية وأموال أيضًا. خلال عشر سنوات تكونت شبكات مصالح أضرت بمنظومة العمل الإنساني ومنظومة العمل الحقوقي، ونحن الآن نجني ثمارها».

 

المعالجات

 

ويرى أحمد القرشي أن «كل المعالجات ستكون قاصرة في ظل انعدام وجود سلام حقيقي ودولة أو حكومة مسيطرة، ولديها الامكانات والقدرة وباسطة نفوذها، وتمارس صلاحيتها على التراب الوطني بالكامل، هناك استجابة لكنها تكون معالجة ترقيعية وغير مجدية إلى حد كبير، لأنها لا تعالج أساس المشكلة. لكن حتى ذلك الحين يفترض أن لمنظمات المجتمع المدني دور كبير جدًا، ولا نتجاهل دور الحكومة التي يفترض أن تكون قادرة على أن تقدم التسهيلات للأسف الشديد».

 

وأردف: أرجو أن نكون قادرين خلال المستقبل القريب والسنوات المقبلة، أن نقدم معالجات وحلولا حقيقية. يفترض أن تكون العملية التعليمية في اليمن بعيدة عن الحرب وبعيدة عن الصراع، يفترض توفير بيئة تعليمية تعزز اللحمة الوطنية والتعايش والسلام وتنبذ العنف والتطرف والعنصرية والكراهية. هذه كلها يجب أن تكون متوفرة. نحن بحاجة إلى أن تكون هناك حزمة معالجات، وليس فقط مجرد أننا نوفر معلما أو معلمة هنا أو هناك رغم أن هذا مهم، ولكن نحن بحاجة إلى أن تكون هناك معالجات شاملة لنستطيع الإحاطة بالداء بقدر المستطاع».

 

مما سبق؛ نخلص إلى أن اليمن يغرق في أتون التمزق والتشظي؛ وهو الواقع الذي قاد إليه ويكرّسه اختلال واقع التعليم، وما ترتب ويترتب عليه من قصور في الوعي المدني، وما نتج وينتج عنه من بيئة غير مستقرة ملتهبة بالعنف وتغذي الفقر، ومهيئة لتسرب الطلاب واستغلال التعليم وتوظيفه سلبيًا بما يعزز ثقافة الانقسام والكراهية والبطالة بأشكالها؛ وهي ثقافة تكرّس عجز القدرات، وبالتالي وانطلاقًا من الواقع اليمني الراهن فمؤشرات تسرب الأطفال من المدارس خلال الحرب تؤكد تراجع مساهمة جيل كامل في البناء والإعمار المستقبلي لليمن، واحتمالية تحول هذا الجيل إلى إعاقة حقيقية تكرّس التخلف والجريمة، التي قد تتجاوز اليمن للمنطقة؛ وبالتالي فاليمن في حاجة ماسة ليس لإيقاف الحرب عاجلا فقط وإنما أيضا لإقرار سلام حقيقي يفضي إلى دولة مدنية حديثة؛ يصبح التعليم ضمن أولوياتها، التي تعالج من خلالها، جوهر التخلف، وفق استراتيجية تدرك جيدًا أهمية التنوع والتعايش، وما يتطلب ذلك من معرفة وثقافة وتعليم يستوعب احتياجات المستقبل، بموازاة إعادة الاعتبار لثقافة الولاء للوطن واحترام المواطنة؛ ما لم يحصل فالمستقبل سيكون عبارة عن حلقات متجددة من الصراع؛ لأن بؤر الصراع وثقافة القوة والكراهية ما زالت حاضرة كعنوان للتخلف والجهل؛ وهي الثنائية التي تمثل جذوة محرقة الحرب.